صورة الخبر

13:35:10 2026-03-25 : اخر تحديث

13:31:15 2026-03-25 : نشر في

حيدر العبادي.. سياسي صعد في لحظة انهيار الدولة

حجم الخط

بكر الطائي - شبكة الساعة

حيدر العبادي هو أحد أبرز الوجوه السياسية التي برزت في العراق بعد عام 2003 ارتبط اسمه بمرحلة شديدة الحساسية من تاريخ البلاد، حين تولى رئاسة مجلس الوزراء بين عامي 2014 و2018 وسط انهيار أمني وأزمة سياسية وضغط اقتصادي وتوتر إقليمي.

لم يأتِ حضوره من موقع الزعامة الصاخبة أو الخطاب الحاد بل من صورة السياسي الهادئ الذي جرى تقديمه بوصفه خيارًا قادرًا على إدارة التوازنات داخل النظام، ولهذا ارتبط اسمه أكثر بلحظة توليه المسؤولية في وقت كانت فيه الدولة تواجه خطر التفكك.

اكتسب العبادي أهميته من طبيعة المرحلة التي حكم فيها فالعراق آنذاك لم يكن يبحث عن زعيم جماهيري بقدر ما كان يبحث عن شخصية تستطيع امتصاص الانقسام، وإعادة ترتيب السلطة التنفيذية وقيادة الدولة في أخطر اختبار بعد 2003.

من الحزب إلى الدولة

ينتمي حيدر العبادي إلى حزب الدعوة الإسلامية أحد أقدم الأحزاب السياسية الشيعية في العراق وقد جاء صعوده داخل النظام السياسي من خلال العمل الحزبي والمؤسساتي، لا من خلال قاعدة شعبية مستقلة أو زعامة شخصية واسعة.

هذا المسار منحه شرعية داخل البيت الشيعي وفي الوقت نفسه جعله أكثر قبولًا لدى أطراف مختلفة داخل العراق وخارجه فقد بدا، مقارنة بوجوه أخرى أقل صدامية وأكثر قابلية للعمل ضمن التسويات.

ولذلك حين دخل اسمه بقوة إلى المشهد لم يكن يُنظر إليه بوصفه قائد مواجهة، بل بوصفه رجل مؤسسة قادرًا على إدارة مرحلة انتقالية معقدة تتطلب تهدئة داخلية أكثر مما تتطلب خطابًا تعبويًا.

لحظة الصعود: سقوط الموصل وتكليف 2014

شكّل سقوط الموصل في حزيران/يونيو 2014 نقطة التحول الكبرى في مسيرة العبادي لم يكن الحدث مجرد هزيمة عسكرية بل كان انهيارًا واسعًا في صورة الدولة ومؤسساتها، بعدما انسحبت وحدات عسكرية كاملة من مواقعها وظهرت هشاشة المنظومة الأمنية التي بُنيت خلال سنوات ما بعد 2003.

في تلك اللحظة بدأت الضغوط تتصاعد على رئيس الوزراء آنذاك نوري المالكي واتسعت القناعة داخليًا وخارجيًا بأن استمراره سيعمّق الانقسام، ويقلل فرص تشكيل جبهة سياسية موحدة لمواجهة تنظيم "داعش".

ضمن هذا المناخ برز العبادي بوصفه مرشحًا توافقيًا فقد أرسلت المرجعية الدينية العليا في النجف إشارات واضحة برفض الولاية الثالثة للمالكي، كما مالت قوى شيعية وسنية وكردية إلى خيار التغيير مع تأييد دولي وإقليمي لهذا المسار.

وفي 11 آب/أغسطس 2014 كلّف رئيس الجمهورية فؤاد معصوم حيدر العبادي رسميًا بتشكيل الحكومة استنادًا إلى المادة 76/أولًا من الدستور العراقي وقد تحولت تلك اللحظة إلى واحدة من أخطر لحظات الانتقال السياسي بعد 2003.

رفض المالكي التكليف وعدّه انقلابًا دستوريًا ولوّح بالتصعيد والطعن فيه، لكن الدعم الواسع الذي حظي به العبادي داخليًا وخارجيًا عجّل بعزل المالكي سياسيًا لينتهي المشهد بإعلانه التنازل عن الترشح في 14 آب/أغسطس.

رجل الحرب على داعش

ارتبط اسم حيدر العبادي أكثر من أي شيء آخر بمرحلة الحرب ضد تنظيم "داعش"، فقد جاء إلى رئاسة الحكومة والعراق يخوض واحدة من أصعب معاركه الوجودية، وكان عليه أن يدير الملف الأمني في ظل ضعف المؤسسة العسكرية واتساع سيطرة التنظيم.

في عهده انطلقت العمليات التي قادت إلى تحرير عدد من المدن والمناطق التي سقطت بيد التنظيم، بدأت بتكريت في آذار/مارس 2015 ثم الموصل في تموز/يوليو 2017، وصولًا إلى إعلان النصر النهائي على "داعش" في كانون الأول/ديسمبر من العام نفسه.

هذا المسار مثّل أهم إنجاز سياسي وعسكري ارتبط باسمه فقد أعاد للدولة جزءًا أساسيًا من هيبتها، ورسّخ صورة العبادي بوصفه رئيس الوزراء الذي قاد العراق خلال معركة الاستعادة.

لكن هذا النجاح لم يكن عسكريًا فقط فقد كان أيضًا جزءًا من إدارة توازن معقد بين التعاون مع التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، والحفاظ على التوازن مع إيران والتعامل مع قوى مسلحة فاعلة داخل الساحة العراقية.

الإصلاح بين الطموح والقيود

إلى جانب الملف الأمني حاول العبادي أن يقدّم نفسه بوصفه رئيس حكومة إصلاحية، خصوصًا في مجال مكافحة الفساد وإعادة بناء المؤسسة العسكرية وبرز ذلك مع الكشف عن ملف "الجنود الوهميين"، حين جرى الإعلان عن وجود نحو خمسين ألف جندي وهمي داخل المؤسسة الأمنية في نهاية عام 2014.

كان هذا الإعلان من أوائل المؤشرات التي أراد من خلالها العبادي إظهار حجم الخلل الذي ورثته حكومته، وتقديم نفسه كرئيس وزراء يسعى إلى معالجة التشوهات البنيوية في الدولة.

لكن هذه الاندفاعة الإصلاحية اصطدمت سريعًا بواقع النظام السياسي العراقي فالمحاصصة الحزبية وشبكات المصالح وتعقيدات التوازنات داخل البرلمان ومؤسسات الدولة، حدّت من قدرة الحكومة على تحويل هذه المحاولات إلى إصلاحات عميقة ومستدامة.

ولهذا بقيت تجربة العبادي الإصلاحية مرتبطة بإشارات مهمة أكثر من كونها مشروعًا مكتمل النتائج، فقد بدت خطواته قوية في بدايتها لكنها لم تنجح في تفكيك البنية التي أعادت إنتاج النفوذ بعد 2003.

كما واجهت حكومته أزمة اقتصادية حادة بسبب هبوط أسعار النفط ما أدى إلى عجز مالي كبير واضطرت الحكومة إلى تبني سياسات تقشفية وتأخير بعض المدفوعات وخفض الإنفاق العام، الأمر الذي ضيّق هامشها أكثر.

التوازنات الإقليمية وإدارة العلاقات الخارجية

على مستوى السياسة الخارجية حاول العبادي أن يقدّم نموذجًا أقل تصادمًا وأكثر ميلًا إلى إعادة التوازن في علاقات العراق العربية والإقليمية، ففي عهده أعادت السعودية فتح سفارتها في بغداد بعد قطيعة دامت خمسة وعشرين عامًا.

كما تحسنت العلاقات مع عدد من العواصم الإقليمية من بينها أنقرة والقاهرة، وقد عُدّ هذا الانفتاح جزءًا من محاولة أوسع لإخراج العراق من صورة الدولة المنغلقة على محور واحد، وإعادة إدخاله في شبكة علاقات أكثر تنوعًا.

غير أن هذا المسار لم يكن سهلًا فقد بقي العراق ساحة تقاطع بين مصالح قوى إقليمية ودولية متنافسة، وكان على العبادي أن يدير علاقته بالولايات المتحدة وإيران في آن واحد من دون أن يدفع ثمن الانحياز الكامل لأي طرف.

ومن هذه الزاوية بدا العبادي أقرب إلى نموذج "مدير الأزمة" منه إلى نموذج الزعيم الذي يعيد صياغة موقع العراق جذريًا، فقد نجح في تخفيف التوتر وفتح قنوات مع أطراف مختلفة، لكنه لم يملك هامشًا كافيًا لإعادة تعريف البنية الكاملة للسياسة الخارجية العراقية.

ما بعد رئاسة الحكومة

بعد انتهاء ولايته لم يختفِ العبادي من المشهد لكنه لم يعد أيضًا إلى مركز الثقل الذي شغله بين 2014 و2018 بقي حاضرًا عبر ائتلاف النصر، وواصل الظهور بوصفه أحد رموز مرحلة الحرب على "داعش".

غير أن حضوره السياسي أخذ طابعًا أقل تأثيرًا مما كان عليه خلال فترة رئاسته فقد تحوّل من رئيس حكومة في قلب الحدث إلى طرف سياسي يعكس أزمة أوسع داخل النظام نفسه.

وفي تطور لافت، أعلن ائتلاف النصر في 11 تشرين الثاني/نوفمبر 2025 انسحابه من المشاركة في الانتخابات البرلمانية المقبلة وبرر ذلك برفض خوض انتخابات تقوم على المال السياسي وغياب الحزم القانوني.

عكس هذا القرار مأزقًا يتجاوز الائتلاف نفسه إذ بدا وكأنه اعتراف بفقدان الثقة بإمكانية إحداث إصلاح فعلي من داخل القواعد السائدة للعملية السياسية.

في المحصلة يمثل حيدر العبادي نموذجًا لسياسي صعد في لحظة انهيار، لا في لحظة استقرار وتحددت صورته العامة من خلال الأزمات التي واجهها أكثر مما تحددت من خلال مشروع سياسي طويل المدى ذي ملامح حاسمة.

فقد دخل رئاسة الحكومة بوصفه مرشح تسوية ثم ارتبط اسمه بالنصر على "داعش"، وبمحاولات إصلاح لم تكتمل وبسياسة خارجية حاولت المناورة بين مراكز النفوذ المتعارضة.

ليصلك المزيد من الأخبار والتقارير والتحليلات

اشترك بقناتنا على التليكرام

اخترنا لك